الجصاص

52

أحكام القرآن

بكر : روي عن ابن عباس أنه قال : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة وقرأ معه أصحابه فخلطوا عليه ، فنزل القرآن : ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) . وروى ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) قال : " المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في صلاة مفروضة أو يوم جمعة أو فطر أو أضحى " . وروى المهاجر أبو مخلد عن أبي العالية قال : " كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قرأ أصحابه أجمعون خلفه ، حتى نزلت : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) فسكت القوم وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " . وروى الشعبي وعطا قالا : " في الصلاة " وروى إبراهيم بن أبي حرة عن مجاهد مثله . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد : " أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع قراءة فتى من الأنصار وهو في الصلاة يقرأ ، فنزلت هذه الآية " . وروي عن سعيد بن المسيب أنه قرأ في الصلاة ، وروي عن مجاهد : أنه في الصلاة والخطبة . والخطبة لا معنى لها في هذا الموضع ، لأن موضع القرآن في الخطبة كغيره في وجوب الاستماع والإنصات . وروي عن أبي هريرة أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية . وهذا أيضا تأويل بعيد لا يلائم معنى الآية ، لأن الذي في الآية إنما هو أمر بالاستماع والإنصات لقراءة غيره ، لاستحالة أن يكون مأمورا بالاستماع والإنصات لقراءة نفسه ، إلا أن يكون معنى الحديث إنهم كانوا يتكلمون خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنزلت الآية ، فإن كان كذلك فهو في معنى تأويل الآخرين له على ترك القراءة خلف الإمام ، فقد حصل من اتفاق الجميع أنه قد أريد ترك القراءة خلف الإمام والاستماع والإنصات لقراءته . ولو لم يثبت عن السلف اتفاقهم على نزولها في وجوب ترك القراءة خلف الإمام لكانت الآية كافية في ظهور معناها وعموم لفظها ووضوح دلالتها على وجوب الاستماع والإنصات لقراءة الإمام ، وذلك لأن قوله تعالى : ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) يقتضي وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها ، فإن قامت دلالة على جواز ترك الاستماع والإنصات في غيرها لم يبطل حكم دلالته في إيجابه ذلك فيها . وكما دلت الآية على النهي عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر به فهي دالة على النهي فيما يخفى ، لأنه أوجب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن ولم يشترط فيه حال الجهر من الإخفاء فإذا جهر فعلينا الاستماع والإنصات وإذا أخفى فعلينا الإنصات بحكم اللفظ لعلمنا به قارئ للقرآن . وقد اختلف الفقهاء في القراءة خلف الإمام ، فقال أصحابنا وابن سيرين وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح : " لا يقرأ فيما جهر " . وقال الشافعي : " يقرأ فيما جهر وفيما أسر " . وقال مالك : " يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر " . وقال الشافعي : " يقرأ فيما